هل سبق لك أن وبّخت نفسك على عادة التسويف أو المماطلة؟ لسوء الحظ، فإن مجرد اتخاذ قرار بالتخلص من التسويف لن يكون كافياً، بل إنه أحد أسوأ الأشياء التي يمكنك القيام بها. أظهرت الدراسات أن التسويف ليس نتيجة الكسل أو سوء إدارة الوقت، ولكنه مرتبط بسوء إدارة الحالة المزاجية. وهذا يبدو منطقياً إذا اعتبرنا أن الأشخاص ميالون أكثر لتأجيل الأعمال التي يكرهونها. فإذا كان مجرد التفكير في مهمة ما يجعلك قلقاً، أو يهدد شعورك بقيمة الذات، فمن المُرجح أنك ستؤجلها.
توصلت دراسات عديدة إلى أن مناطق الدماغ المرتبطة بتحديد التهديدات وتنظيم المشاعر تختلف في الأشخاص الذين يماطلون بشكل مزمن مقارنة بأولئك الذين ينجزون أعالمهم في الأوقات المحددة لها.
التسويف يجعلنا أيضاً نتجنب المشاعر السلبية المرتبطة بالمهام المزعجة أو الصعبة أو المُملة، وهذا أمر مجزٍ لأنه يدفعنا إلى تأجيل هذه المهام لتعديل مزاجنا. وإذا انخرطنا في مهام ممتعة أكثر بدلاً من ذلك، فإن مزاجنا سيتحسن.
الأشخاص الذين يعانون من ضعف الثقة بالنفس هم أكثر عرضة للتسويف تماماً مثل أولئك الذين يسعون إلى الكمال والذين يخشون من أراء الآخرين وأحكامهم. فالتسويف بالنسبة إلى هؤلاء الأشخاص يعمل بمثابة أداة دفاعية تجعلهم يتجنبون القيام بالمهام، وبالتالي تجنب الآراء والأحكام والتقييمات.
لكن التسويف ليس وسيلة فعّالة لإدارة المشاعر على المدى الطويل. فالحفاظ على الحالة المزاجية نتيجة التسويف هو أمر مؤقت، بعد ذلك، يبدأ غالبية الأشخاص بالدخول في حالة من النقد الذاتي الذي يُفاقِم مزاجهم السلبي ويعزّز ميلهم إلى المماطلة.
مساوئ التسويف
أظهرت الدراسات أن التسويف الأكاديمي يؤثر سلباً على أداء الطلاب وعلى نواحي أخرى من أدائهم الأكاديمي. في إحدى الدراسات التي أُجرِيت على أكثر من 3000 طالب ألماني على مدار ستة أشهر، كان الطلاب الذين أبلغوا عن المماطلة في عملهم الأكاديمي أكثر عرضة للانخراط في سلوكيات أكاديمية غير أخلاقية، مثل الغش والسرقة الأدبية.
كما أظهرت دراسات أخرى أن الموظفين يقضون في المتوسط ربع يومهم أثناء عملهم في المماطلة، وهذا أيضاً له نتائج سلبية. إذ كشفت دراسة استقصائية أمريكية شملت أكثر من 22000 موظف أن المشاركين الذين قالوا إنهم يماطلون بانتظام كان لديهم أيضاً دخل سنوي أقل واستقرار وظيفي أقل.
بالإضافة إلى ذلك، يرتبط التسويف أيضاً بمشاكل صحية خطيرة، مثل ضعف الصحة العقلية ومستويات أعلى من الاكتئاب والقلق. أظهرت العديد من الدراسات أن الأشخاص الذين يماطلون بانتظام يعانون من عدد أكبر من المشكلات الصحية، مثل الصداع والإنفلونزا ونزلات البرد ومشاكل الجهاز الهضمي. كما أنهم يعانون من مستويات أعلى من التوتر وضعف جودة النوم. هؤلاء الأشخاص أقل عرضة لممارسة السلوكيات الصحية، مثل اتباع نظام غذائي صحي وممارسة الرياضة بانتظام، ويميلون إلى استخدام استراتيجيات التكيّف السلبية للتغلب على الشعور بالتوتر. وجدت إحدى الدراسات التي أُجرِيت على أكثر من 700 شخص أن الأشخاص الذين يأجّلون مهامهم بشكل مُزمن هم أكثر عرضة لخطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة 63%؛ بعد الأخذ بعين الاعتبار السّمات الشخصية والخصائص الديموغرافية الأخرى.
كيفية التخلص من التسويف
ليس هناك وسيلة مضمونة للتخلص من التسويف، لكن إيجاد طرق أفضل لتنظيم مشاعرك قد يساعد في تحسين حياتك وصحتك العقلية.
تتمثل الخطوة الأهم في إدارة البيئة المحيطة بك والطريقة التي تنظر بها إلى أعمالك. هناك عدد من الاستراتيجيات القائمة على الأدلة التي يمكن أن تساعدك على عزل العوامل المُشتتة للانتباه، وإعداد مهامك بحيث يمكن تنفيذها برضا دون الشعور بقلق كبير. على سبيل المثال، ذكّر نفسك بأهمية المهمة وقيمتها بالنسبة لك، وهذا سيزيد من مشاعرك الإيجابية تجاهها.
كما يمكنك وضع قائمة بالمهام التي يتوجب عليك القيام بها في المستقبل القريب ثم ترتيبها وفقاً لأولويات الانتهاء منها.
المسألة التي ربما تعيقك عن إتمام مهامك في الوقت المحدد واللجوء للتسويف هو اعتقادك أنها ستتطلب وقت طويل للغاية أو أنها صعبة، لذا ينبغي تقسيم المهمة التي تظن أنها كبيرة أو صعبة لمجموعة من المهام الصغيرة وتنجز كل واحدة منها على حِداً.
السعي وراء المثالية والكمال هو أول ما يحول بيننا وبين التقدم نحو المستقبل، لذا عليك أن تعي تماماً طبيعتك البشرية وأن الكمال غاية لا يمكننا تحقيقها، لذا لا مانع من إتمام المهام بأفضل شكل ممكن، والابتعاد عن فخ المثالية كونها أول الطرق التي تؤدي للتسويف.
في كل مرّة تجد نفسك تماطل أو تفكر بطريقة سلبية، حاول أن تكون أكثر تسامحاً وتعاطفاً مع ذاتك، وهذا يمكن أن يساعد في كسر دائرة التسويف. تقبّل مشاعرك السلبية دون الحكم على نفسك، وذكّر نفسك بأنك لست أول شخص يماطل، ولن تكون الأخير. يمكن أن يساعد ذلك على التخلّص من المشاعر السلبية التي تشعر بها تجاه نفسك عندما تماطل، وهذا يُسهّل عليك العودة إلى المسار الصحيح.