قال الخبير الاقتصادي الأمريكي الرّاحل بيتر دراكر ذات مرّة أن “محاولة التنبؤ بالمستقبل تشبه القيادة في طريق زراعي ليلاً بدون أضواء، بينما تنظر من النافذة الخلفية” حيث يعد المستقبل أمراً غامضاً.
وفيما يتعلق بتوقع الاتجاهات الجديدة في مجال التكنولوجيا، يمكن القول إن التغيير يحدث بسرعة كبيرة، حيث شهد عام 2022 تحولاً أكبر نحو الأتمتة. ولكن بالنسبة للذين يتابعون أحدث التطورات في مجال الابتكار، فمن الممكن أن يروا أنماطًا وتقنيات أكثر مع بداية عام 2023.
في هذا السياق طلبت شبكة “سي إن إن” (CNN) من أربعة خبراء التنبؤ بالتقنيات التي ستشكل حياتنا هذا العام؛ وإليكم أبرز ما جاء في ردودهم.
الذكاء الاصطناعي (Artificial intelligence)
أصبح الذكاء الاصطناعي (AI) جزءاً من واقعنا الحالي، وهو موجود في كل جانب من جوانب الحياة اليومية، بدءاً من التجارة الإلكترونية إلى خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي.
تتوقع عائشة خانا، المؤسسة المشاركة والرئيسة التنفيذية لشركة “آدو” (Addo)، وهي شركة حلول للذكاء الاصطناعي والبيانات، حدوث ازدياد هائل في الصور والموسيقى التي يتم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي في عام 2023. وتضيف أنه على الرغم من أنّ الذكاء الاصطناعي لن يحل مكان البشر، لكنه سيصبح عضواً جديداً في معاونة البشرية في العديد من الوظائف”.
يتوقع المؤلف المستقبلي برنارد مار، صاحب كتاب “مهارات المستقبل: المهارات والكفاءات العشرون التي يحتاجها الجميع للنجاح في عالم رقمي”، أن يكون تركيز الذكاء الاصطناعي هذا العام على “زيادة العمال، حيث تتوفر أدوات جديدة لتمكين القوى العاملة من الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بشكل كامل”.
لكن خانا تحذّر من أنه ستكون هناك حاجة إلى مزيد من العمل لضمان أن تكون تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي “كوبايلوت” (Copilot) دقيقة وغير متحيّزة، لا سيما في مجالات مثل الرعاية الصحية، حيث هناك عواقب وخيمة إذا قام المساعد الافتراضي المدعوم بالذكاء الاصطناعي بتوصية الطبيب بالعلاج الخاطئ.
الميتافيرس (Metaverse)
الميتافيرس هي عبارة عن شبكة اجتماعية ضخمة تتضمن مزيجاً من تكنولوجيا الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزّز (AR) والواقع المختلط (MR) والبيئات ثلاثية الأبعاد 3D بالإضافة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي يتم التفاعل معها في الوقت الحقيقي وبشكل فعّال ومستمر، يشترك فيه عدد غير محدود من الأشخاص حول العالم، ويوفر بيئة انغماس حقيقة للمستخدمين وإحساساً حقيقياً، وبتواصل حقيقي افتراضي في بيئات مشابهة تماماً للبيئات في الواقع، كما تتم فيها أنواع التعاملات المختلفة كالاتصالات والدفع وغيرها.
وقد أشارت خانا إلى أن شركة “ميتا” (Meta)، التي كانت تُعرف سابقاً باسم “فيسبوك” (Facebook)، قد تكبّدت خسارات بمليارات الدولارات في جهودها في مجال تقنية الميتافيرس، إلّا أن فكرة قضاء الوقت في عوالم الإنترنت الافتراضية أصبحت جزءاً من الوعي العام، ومن المقرّر أن تزداد في عام 2023.
وتقول: “ستطلق شركات البيع بالتجزئة والترفيه برامج تجريبية متزايدة حول كيفية بناء تفاعل العملاء وولائهم في مختلف المقاييس، وخاصة منصات الألعاب مثل “روبلوكس” (Roblox)”.
ويشير مار إلى أن المزيد من الشركات الصغيرة ستنضم إلى المنظمات الأكبر التي أنشأت بالفعل “نقاط استيطانية” على منصات ميتافيرس. ويقول” “ستصبح تقنية ميتافيرس أيضاً أكثر قابلية للتنقل ويمكن الوصول إليها من خلال أجهزة مثل سماعات الرأس والنظارات الذكية، وستضطر الشركات إلى التفكير في كيفية الاستفادة من هذه الفرص لخلق تجارب غامرة وفعّالة”.
تقنيات الاستدامة (Sustainability Tech)
يقول أبيشور براكاش، المؤسس المشارك والمستقبلي الجيوسياسي في مركز ابتكار المستقبل (CIF) في تورنتو ومؤلف كتاب “العالم عمودي: كيف تعيد التكنولوجيا تشكيل العولمة”: “سيلعب مجال الاستدامة بأكمله، المدعوم بالتقنيات، دوراً هائلاً في عام 2023”. ويضيف: “في عام 2023، ستتقدم مشاريع الطاقة النظيفة، مثل تلك التي تنقل الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية من إفريقيا إلى أوروبا، ممّا يضيف بُعداً جديداً لحرب الطاقة العالمية”.
وتعتقد سينثيا سيلين، الأستاذة في جامعة ولاية أريزونا، أنه في عام 2023، وسط تعزيز مصادر الطاقة المتجددة، سيكون تخزين الطاقة على المدى القصير والطويل الأجل مثل البطاريات والهيدروجين أمراً أساسياً.
وتقول سيلين:” الاستثمار المستمر وظروف السياسة المواتية … يعني أن الهيدروجين النظيف (بما في ذلك الهيدروجين المصنّع باستخدام الطاقة المتجدّدة) يمكن أن يشهد نمواً مستداماً، وتطويراً للبنية التحتية الضرورية، وقدرة تنافسية أفضل من حيث التكلفة”. كما تعتقد أنّ التقاط الكربون وتخزينه –إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي وتخزينه– سيزداد أهمية أيضاً.
صناعة أشباه الموصلات (Semiconductors) والاعتماد على الذات
يتوقع براكاش أن الحرب في أوكرانيا ستُفضي إلى حقبة جديدة من الجغرافيا السياسية والعولمة، ويضيف: “السعي وراء الاعتماد على الذات، وهو محفّز للعولمة الرأسية – ظهور تكتلات جيوسياسية تقوم على هيمنة التكنولوجيا –سيتسارع في عام 2023، وسيؤثر على كل جانب من جوانب التكنولوجيا”.
ويقول: “يشتري صانعو السيارات في الصين سفنهم الخاصة لتصدير سياراتهم إلى العالم”، ويشير إلى خطط شركة “آبل” (Apple) لنقل الإنتاج خارج الصين.
ويشير براكاش إلى اتجاه آخر وهو الصراع على أشباه الموصلات التي تشغل هواتفنا الذكية وأجهزة الكمبيوتر والسيارات والأجهزة المنزلية. ويقول إن “أشباه الموصلات ربما ستقلب الشؤون العالمية في عام 2023، وتصبح مجالاً للمنافسة بين الولايات المتحدة والصين”.
إنترنت الأشياء (IoT)
يشير مصطلح إنترنت الأشياء (IoT) إلى مجموعة من الأجهزة المتصلة والوسائل التكنولوجية التي تيسر الاتصال بين الأجهزة والسحابة، وكذلك بين الأجهزة نفسها. وبفضل ظهور رقائق الكمبيوتر ميسورة التكلفة واتصالات النطاق التردّدي العالي، أصبحت لدينا الآن مليارات الأجهزة المتصلة بالإنترنت.
وتعتقد سيلين أن إنترنت الأشياء ستستمر في إحداث تغييرات على قطاع الطاقة في عام 2023. وتقول: “تساعد مُنظِّمات الحرارة الذكية لتتبع استهلاك الطاقة وتنظيم درجات الحرارة في تقليل استهلاك الطاقة والتكاليف. يتم طرح المزيد من الأجهزة في السوق التي تستخدم أجهزة استشعار ذكية والذكاء الذي يعتمد على البيانات للإبلاغ حول خيارات الطاقة وزيادة الكفاءة في استهلاكها”.
ويتوقع مار أن يشهد عام 2023 ارتفاعاً في منتجات وخدمات إنترنت الأشياء المتعلقة بالصحة والرفاهية “مع أجهزة مثل الساعات الذكية التي تقدم مستشعرات متطورة لمراقبة المؤشرات الصحية المختلفة”.
ويضيف أنه سيكون هناك تركيز على “إتاحة المزيد من التفاعلات الأكثر تعقيداً بين الآلات من خلال تطوير معايير وبروتوكولات عالمية يمكن للأجهزة استخدامها للتواصل فيما بينها، بالإضافة إلى تحسين بنية أمان إنترنت الأشياء لمنع الهجمات”.